مستقبل ما بعد اليونيفيل: نقاش دولي لانتقال مهام المراقبة بالتنسيق مع الجيش

يدخل لبنان مرحلة سياسية وأمنية دقيقة تتقاطع فيها التحركات الدبلوماسية في نيويورك مع التطورات الميدانية المتسارعة في الجنوب، فيما تحاول الدولة تثبيت حضورها في الملفات السيادية وإعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية على قاعدة واضحة: الدولة اللبنانية هي الجهة التي تتحدث وتتفاوض باسم لبنان، وقرار الحرب والسلم وحصرية السلاح من مسؤولية مؤسساتها الشرعية.

وعلى هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، حمل رئيس مجلس الوزراء نواف سلام هذه الرسالة خلال سلسلة لقاءات مع مسؤولين عرب ودوليين، من بينهم الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، قبل أن يؤكد خلال اجتماعه مع رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف أن «لا أحد يفاوض باسم لبنان إلا الدولة اللبنانية». كما شدد على أن لبنان لا يريد أن يكون ساحة للصراعات الإقليمية أو منصة لتبادل الرسائل بين القوى المتنافسة.

علاقة «دولة بدولة» مع إيران وصفحة جديدة مع سوريا

في اللقاء مع بزشكيان، ركز سلام على ضرورة بناء العلاقة اللبنانية–الإيرانية على أساس احترام سيادة الدولتين واستقلالهما وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بالتوازي مع تأكيد أولوية انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية ووقف اعتداءاتها، واستكمال بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وحصر السلاح بيدها.

أما في الملف السوري، فركزت محادثات سلام مع الرئيس أحمد الشرع على إعادة تنظيم العلاقات بين بيروت ودمشق، ومراجعة الاتفاقات الثنائية والتحضير لاجتماع اللجنة العليا المشتركة، إضافة إلى مشاريع التعاون والربط الإقليمي في قطاعات الكهرباء والطاقة والنقل. ويأتي ذلك ضمن محاولة لبنانية لفتح مرحلة مختلفة في العلاقات مع سوريا، تقوم على المصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

الجنوب تحت الضغط رغم تقليص القوات الإسرائيلية

في المقابل، بقي الجنوب اللبناني تحت وطأة الغارات والقصف والتفجيرات الإسرائيلية، بالتزامن مع تقارير عن إعادة انتشار للقوات الإسرائيلية داخل المنطقة التي تسيطر عليها.

وأفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي بأن عدد الألوية المنتشرة في جنوب لبنان انخفض من ثمانية إلى ستة، بعد خروج أربعة ألوية ودخول لواءين نظاميين بدلاً منها، في خطوة قالت الإذاعة إنها تهدف إلى تخفيف الضغط على القوى البشرية وقوات الاحتياط بعد أشهر من العمليات. إلا أن تقليص عدد الوحدات العسكرية لا يعني في حد ذاته انسحاباً من الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل أو انتقال السيطرة عليها إلى الجيش اللبناني.

ويتزامن ذلك مع استمرار العمليات الإسرائيلية في عدد من البلدات الجنوبية، ما يجعل الوضع الميداني عاملاً أساسياً في أي مسار سياسي أو دبلوماسي خلال المرحلة المقبلة.

ما بعد «اليونيفيل» يتحول إلى ملف استراتيجي

وفي موازاة التطورات العسكرية، بدأ ملف مستقبل قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان «اليونيفيل» يحتل موقعاً متقدماً في الاتصالات اللبنانية.

فالقوة الدولية تستعد، وفق القرار القائم، لبدء الانسحاب في نهاية عام 2026، وهو ما يثير أسئلة جدية حول الجهة التي ستتولى مهام المراقبة والاتصال ومنع الاحتكاك في الجنوب خلال المرحلة الانتقالية. وقد شدد قائد «اليونيفيل» على أهمية ضمان انتقال منظم للمهام وتنسيق العملية مع الجيش اللبناني وبقية المؤسسات الدولية.

سلام أثار الملف خلال لقاءاته في نيويورك، داعياً إلى البحث منذ الآن في صيغة دولية تحت مظلة مجلس الأمن تضمن استمرار مهام المراقبة والإبلاغ والاتصال وتفادي نشوء فراغ أمني في منطقة شديدة الحساسية.

دعم متزايد للجيش اللبناني

وسط هذه التحولات، يتجه جانب مهم من الدعم الدولي نحو تعزيز قدرات الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة الأمنية المركزية التي يُفترض أن تتحمل مسؤوليات أكبر على الأرض.

وفي هذا السياق، أعلنت السفارة الأميركية تسليم الجيش اللبناني 16 مليون طلقة ذخيرة، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة قدمت خلال السنوات الست الماضية أكثر من 800 مليون دولار من المساعدات العسكرية للمؤسسة العسكرية. وكان الجيش قد أعلن في 20 أيلول تسلمه 70 مستوعباً من أنواع مختلفة من الذخائر في مرفأ بيروت ضمن برامج المساعدات الأميركية.

وتكتسب هذه المساعدات أهمية إضافية في ظل النقاش المتصاعد بشأن المرحلة التي ستلي انسحاب «اليونيفيل» وحجم المسؤوليات التي قد تنتقل تدريجياً إلى الجيش اللبناني في الجنوب.

505 ملايين يورو أوروبية لدعم الإصلاح والتعافي

اقتصادياً، تلقى لبنان دفعة جديدة مع إعلان المفوضية الأوروبية حزمة مالية بقيمة 505 ملايين يورو لعامي 2026 و2027، تمثل الجزء الثاني من حزمة المليار يورو التي كان الاتحاد الأوروبي قد أعلنها للبنان عام 2024.

ووفق المفوضية، ستخصص الأموال لدعم الإصلاحات والتعافي الاقتصادي والأمن وإدارة الحدود، إضافة إلى الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والمياه والحماية الاجتماعية ودعم الفئات الأكثر هشاشة.

ويضع ذلك الحكومة اللبنانية أمام اختبار موازٍ للاختبار الأمني، يتعلق بقدرتها على تحويل الدعم الخارجي إلى إصلاحات ملموسة وتحسين الخدمات وتعزيز الثقة بالمؤسسات.

العفو العام يعود إلى الواجهة

داخلياً، يستمر الجدل حول قانون العفو العام بعد تعليق المجلس الدستوري مفعوله مؤقتاً إثر طعن نيابي، رغم توقيع الرئيس جوزاف عون القانون في 4 أيلول.

وأدى تعليق القانون إلى تحركات احتجاجية داخل سجن رومية، حيث دخل أكثر من 400 سجين في إضراب عن الطعام وفق تقارير إعلامية، مطالبين بحسم مصير القانون بعد تعليق تطبيقه.

ويضيف الملف بعداً اجتماعياً وقضائياً إلى مجموعة الأزمات التي تواجهها الدولة، خصوصاً في ظل الاكتظاظ المزمن في السجون والضغوط المتزايدة على النظام القضائي.

الأمن الداخلي أمام تحديات مستمرة

وفي ملف أمني منفصل، أفادت قناة MTV بأن مخابرات الجيش أوقفت في شمال لبنان شخصاً وصفته بأنه قيادي سابق في تنظيم «داعش»، وقالت إن التحقيقات تتصل بمخطط كان يستهدف زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان. وحتى الآن، تستند تفاصيل مخطط الاغتيال المنشورة إلى معلومات القناة، ما يستدعي التمييز بينها وبين أي بيان رسمي يصدر عن السلطات المختصة.

لبنان أمام اختبار السيادة وإعادة بناء الدولة

تتقاطع هذه الملفات جميعها عند عنوان واحد: قدرة الدولة اللبنانية على استعادة زمام المبادرة.

فالتحرك الدبلوماسي في نيويورك لا ينفصل عن مستقبل الجنوب، ومستقبل الجنوب لا ينفصل عن قدرات الجيش، فيما يرتبط تثبيت الدولة أمنياً بقدرتها على تنفيذ إصلاحات اقتصادية وقضائية وإدارية تعيد بناء الثقة الداخلية والخارجية.

وبين مسار إعادة تنظيم العلاقات مع سوريا، ومحاولة وضع العلاقة مع إيران في إطار «دولة بدولة»، والبحث عن صيغة دولية لما بعد «اليونيفيل»، يبدو لبنان أمام مرحلة انتقالية تتطلب قرارات سياسية ومؤسساتية تتجاوز إدارة الأزمات اليومية.

أما الاختبار الأكثر إلحاحاً فيبقى في الجنوب، حيث لن تُقاس نتائج التحركات الدبلوماسية بحجم اللقاءات والتصريحات، بل بقدرتها على المساهمة في وقف العمليات العسكرية، واستعادة الأراضي، وتأمين عودة السكان وإطلاق إعادة الإعمار، بالتوازي مع تعزيز سلطة المؤسسات اللبنانية.

وبين دعم الجيش وحزم المساعدة الأوروبية والتحرك الدبلوماسي المتعدد الاتجاهات، تتوافر أمام لبنان عناصر دعم خارجية مهمة، لكن تحويلها إلى استقرار مستدام يبقى مرتبطاً بقدرة مؤسسات الدولة على إدارة المرحلة المقبلة وفرض سلطتها وتطبيق الإصلاحات المطلوبة.

Exit mobile version